ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

254

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

الغليظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم أما تعلمين يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم وأنت في أمنيتهم ( 1 ) ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لاشتروه لو قدروا عليه تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة . ويحك يا نفس أما تستحين تزينين ظاهرك للخلق وتبارزين الله في السر بالعظائم تستحيين من الخلق ولا تستحيين من الخالق أهو أهون الناظرين عليك أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل تدعين ( 2 ) إلى البر وأنت عنه فارة وتذكرين الله وأنت عنه ناسية . أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة وأن العذرة لا تطهر غيرها فلم تطمعين في تطييب غيرك وأنت غير طيبة في نفسك . ويحك يا نفس لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك ( 3 ) . ويحك يا نفس قد جعلت نفسك حمارا لإبليس يقودك إلى حيث يريد ويسخر بك ومع هذا فتعجبين بعملك وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك . ويحك يا نفس ما أوقحك ويحك ما أجهلك ويحك ما أجرأك على المعاصي ويحك كم تعقدين فتنقضين ويحك كم تعهدين فتغذرين [ فتغدرين ] ويحك يا نفس أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا جمعوا كثيرا وبنوا مشيدا وأملوا بعيدا فأصبح جمعهم بورا ( 4 ) وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا . ويحك يا نفس أما لك بهم عبرة أما لك إليهم نظرة أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من المخلدين هيهات هيهات ساء ما تتوهمين ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت

--> ( 1 ) قوله وأنت في أمنيتهم أي ما يتمنونه من الرجوع والكون في الدنيا حاصل لك الآن . ( 2 ) مخاطبة من مضارع دعا وليس من الادعاء . ( 3 ) الشؤم - مهموز العين وزان قفل - : ضد اليمن . ( 4 ) بورا أي هالكا متفرقا .